حسن بن موسى القادري
133
شرح حكم الشيخ الأكبر
19 - ما دمت في طلب الحق ، فلا تقف مع الخلق . وقد علم ما سبق أن الهوى والميل إلى الخلق مانع من مشاهدة الحق والوصول إليه ؛ لأنه لا يمكن المشاهدة مع وجود الهوى والميل الذي به الوقوف مع الخلق ، فيجب على السالك الطالب للحق أن لا يقف مع الخلق ، كما قاله قدّس سرّه : ( ما دمت في طلب الحق ، فلا تقف مع الخلق ) ، و ( ما دمت ) في تأويل دوامك ؛ لأن ( ما ) ألة المصدر وهو ظرف ل ( لا تقف ) بحذف المضاف وهو المدة أي : إذا لم يمكن رؤية الحق تعالى ، ومشاهدته مع وجود الهوى والميل إلى الخلق ، فلا تفق أيها السالك الطالب للحق مع الخلق ، ولا تميل إليهم وتريهم معدومة صرفة مدة دوامك في طلبك الحق تعالى ؛ لأنك متى تميل إلى شيء تحبه ، وإذا أحببته تشتغل به ، وإذا انشغلت به فتؤثره على غيره ، ولذا قيل : إذا أردت اشتغال عوالمك عن شيء فآثر عليه مقابله ، فإن أردت ترك الدنيا فآثر عليها الآخرة ، وإن أردت ترك حظوظها فآثر عليها الحق ، وأن أردت ترك حظوظ نفسك فآثر عليها العبودية للّه تعالى . وقد ورد فيما أوحي إلى بعض الأنبياء : إن كنت تحبني فأخرج حبّ الدّنيا عن قلبك فإنهما لا يجتمعان معا ، فمن كان مع الأكوان ، فكيف يشهد المكون ؟ ، والحق تعالى لا يحب الهوى والقلب المشترك ، كما لا يحب العمل المشترك ، والقلب المشترك هو الذي دخله الميل إلى الخلق ، والأنس بهم ، والوقوف معهم ، وهذا القلب لا يقبل ، وما لا يقبل فهو مردود ؛ لأنه تعالى لا يرضى بالشرك قال تعالى : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك « 1 » » ، والقلب إيوان الملك ويسعه ، فلا ينبغي أن تجعل غيره شريكا له فيه ، فالوقوف مع الخلق حجاب لك من الوصول إلى الحق ، فمن لم يجد الحق تعالى ما وجد شيئا ، ومن وجده ما فقد شيئا ، فإذا كان الالتفات إلى الغير حجابا فالرضا به كذلك بالأولى ، وقد خاب من رضي دونه بدلا . وقال اللّه : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] .
--> ( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 4 / 2298 ) ، وابن ماجة في السنن ( 2 / 1405 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 5 / 329 ) .